• كنت أنوي تخصيص هذه الحلقة السابعة من " الإبرة والهشيم" للحديث عن قضية هامة تتعلق بالتأريخ للشطرنج المغربي؛ غير أن تسارع الأحداث، ثم احتدام النقاش على الصفحات الإلكترونية لموقع" شطرنج المغرب" حفزني للتطرق إلى الوضعية الحالية للجامعة الملكية المغربية للشطرنج من زاوية الشرعية والمشروعية.
• لقد كانت تدخلات الصديق محمد شقرون بشأن سلامة الرأي العام الشطرنجي الذي يدعو إلى عقد جمع عام استثنائي للجامعة للحسم في الوضعية الكارثية التي تعيشها هذه المؤسسة، محور مناقشات حادة وردود شتى، انحرفت أحيانا عن اللباقة الضرورية في أدب الحوار، وأدت مرارا إلى تمييع الموضوع في قضايا مسطرية تجاوزتها الأحداث.
• ]يدافع الأخ شقرون عن فكرة بسيطة فحواها أنه على الشطرنجيين المغاربة، عصبا وأندية ولاعبين، أن يتحلوا بالصبر الجميل وينتظروا انعقاد الجمع العام العادي للجامعة الوشيك ( في نظره)، ودراسة التقريرين الأدبي والمالي اللذين سيعرضهما "المكتب الجامعي"، وتقديم الرغبات والملتمسات إلى الجمع القادم، والبت في بعض القضايا الشائكة و"كفى الله المؤمنين شر القتال" ! وذلك انسجاما مع روح القانون الأساسي للجامعة، حيث إنه لا يرى مبررا لإطلاق مسلسل الدعوة لجمع استثنائي في نهاية الموسم الجامعي. ولا ينظر- على ما يبدو- بنفس الخطورة إلى ملف "تزوير درجات التحكيم الدولية" حيث أن الموضوع برمته معروض على اللجان المختصة للاتحاد الدولي، وعلينا انتظار نتيجة التحقيق بكل هدوء...
• وبغض النظر عن التدخلات التي اتسمت بطابع شخصي محض، يرى كثير من الشطرنجيين الذي انبروا للرد على أفكار السيد شقرون، أن " طبول الحرب" قد قرعت ولا مجال الآن للتفاوض والتوافق ولاسيما بعد بلاغ نخبة اللاعبين المغاربة المصنفين دوليا ،وفي طليعتهم الأستاذ الدولي الكبير هشام الحمدوشي ؛ وانضمام أغلبية رؤساء العصب الشطرنجية إلى هذه الحركة الدؤوبة المطالبة بتنحي السيد مصطفى أمزال الرئيس الحالي للجامعة، وتدخل سلطة الوصاية من أجل حل الإدارة الحالية وعقد جمع عام استثنائي لانتخاب رئيس ومكتب جديد. ويرى البعض الآخر أن التمسك بالأمور المسطرية بدعوى احترام القانون الأساسي للجامعة، أمر تجاوزته الأحداث، وأصبحت الوضعية على الرقعة الشطرنجية في غاية الوضوح، والشاه مات لا مفر منه في ثلاث نقلات ! على حد تعبير الأخ مراد المتيوي !
• يميز فقهاء القانون بين مستويين من الحكم على الأفعال والقرارات، وتقييم الأنظمة والمؤسسات، انطلاقا من مفهومي الشرعية (Légalité) والمشروعية (Légitimité). فالشرعية تشمل كل ما هو مطابق للقانون؛ بينما تستند المشروعية إلى روح العدل، وقبول أغلبية مكونات المجتمع بالسلطة الحاكمة وقراراتها. وهكذا قد يصادق برلمان معين بالأغلبية على قرار ذي طبيعة اجتماعية أو يمس بحقوق الأقلية، أو يؤدي إلى إقصاء شريحة من المواطنين. ,في هذا الصدد فإن رفض المجتمع وديناميته كفيلان بسحب كل مشروعية عن القرارات المتخذة، بل وفرض إلغائها؛ مثلما حدث في فرنسا منذ بضعة أشهر بشأن " عقدة التوظيف الأولى " (Contrat de Première Embauche)؛ وأظن أن الأخ محمد شقرون، بصفته "إطارا بنكيا" متتبعا لما يجري في الساحة الاقتصادية، على علم بتفاصيل هذا الموضوع...
• إني لا أجادل الآن في شرعية السيد مصطفى أمزال، كرئيس حالي للجامعة؛ فقد تم تجديد انتخابه -كما نعلم - بأغلبية مريحة، ولمدة أربع سنوات كاملة، خلال الجمع العام الانتخابي المنعقد في أكتوبر 2004. حقا لقد فصل هذا الشخص القانون الأساسي للجامعة على مقاسه، رغم وعوده الانتخابية باعتماد قانون ديمقراطي، وصادقت الأندية بمقتضى جمع استثنائي على المشروع المعدل، فأصبح ساري المفعول، وتتحمل بالتأكيد مسؤولية قرارتها. لكن الرئيس لم يلتزم أبدا بهذا النص الذي صاغه بنفسه. فلم يستدع "المجلس الاستشاري للجامعة" (الذي عوض به المجالس الفيدرالية لحاجة في نفسه) إلى الانعقاد ولو مرة واحدة؛ ولم يشكل مكتبه الجامعي طبقا لما ينص عليه القانون، ولم يعلن أسماء أعضائه لحد الآن؛ وقد عمد إلى تأخير عقد الجمع العام العادي ( الشهير ليوم 26 فبراير) زهاء خمسة أشهر، بمبررات واهية، ولم يحترم المساطر القانونية في الدعوة إليه، وإرسال التقريرين الأدبي والمالي في آجالهما المحددة. الأمر الذي يمس في شرعيته كرئيس منتخب، ويطرح تساؤلات عن المسؤولية القانونية لمكتبه الجامعي، ودور سلطات الوصاية في المراقبة. أما المذبحة القانونية التي شهدها الجمع العام الأخير الذي صارت بذكره الركبان، فقد أفقدته كل شرعية، رغم مباركة غالبية الأندية الحاضرة.
• ومع افتضاح " درجات التحكيم المزورة" فقد بلغ السيل الزبى، وانحرف الجهاز الجامعي عن كل مشروعية؛ وأمسى من لغو الكلام الخوض في شرعية الرئيس ومكتبه الجامعي، والتدقيق في المساطر القانونية والإدارية، ولا سيما بمناسبة العرائض المتعددة المطالبة بحل الجامعة والدعوة إلى عقد جمع عام استثنائي تحت إشراف سلطة الوصاية؛ الذي يتعين أن يتضمن نقطة وحيدة في جدول الأعمال : التصويت على سحب الثقة من الرئيس أو تزكيته في مهامه. وحتى في هذه الحالة -لا قدر الله- فسيظل هذا الرئيس فاقدا للمشروعية في نظري وفي رأي كل الشطرنجيين الذين ترتبط هذه الرياضة النبيلة في مفهومهم بالفضيلة والأخلاق.. وإلى اللقاء.
محمد مبارك ريان

