مـن منا، من لم يردد مرارا خلال مساره الدراسي هذا البيت الشهير لأمير الشعراء أحمد شوقي :
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت....فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
دارت الأيام...وولجنا مملكة الشطرنج العجيبة. ارتبطت هذه الرياضة الفكرية في أذهاننا، منذ الخطوات الأولى، بالنبل والأخلاق. اعتقدنا وما زلنا أن عالم الشطرنج لا علاقة له بالممارسات المألوفة في العديد من الرياضات الأخرى، التي تفوح منها روائح البيع والشراء، وتعج بالسماسرة الوسطاء. إبان الكثير من المباريات والبطولات التي احتضنتها مدينة شفشاون، كان يحلو لنا أن نرفع لافتة كبرى في قاعة اللعب شعارها " الشطرنج علم وفن ورياضة وأخلاق". ظلت صورة لاعب الشطرنج لدى الجمهور الواسع، وفي عالم الصحافة مثالا للنباهة والذكاء والنبل والأخلاق.
كانت هذه الصورة تنطوي على جانب غير قليل من السذاجة والمثالية؛ لكن رياضة الشطرنج ظلت نظيفة على العموم. ساعد على ذلك المستوى الثقافي والفكري والأخلاقي لمعظم اللاعبين وغياب الجوائز النقدية خلال الدوريات، حيث كانت المنافسات تكتسي طابعا معنويا بحتا. لقد كانت حالات التلاعب بالنتائج الفردية والجماعية نادرة الحدوث؛ حيث تتحول أحيانا إلى مجال للتندروالفكاهة عندما يفتضح أمرها ! وكان طاقم التحكيم في الغالب مثالا للنزاهة والصرامة. كان القدوة هو الأستاذ محمد حسين السوسي البهاوي، قيدوم الحكام الدوليين المغاربة. ولم يكن أحد يتصور أن يتسامح المكتب الجامعي فأحرى أن يتواطأ مع المتلاعبين، ويمارس بدوره أشكالا جديدة من التزوير، سافرت عبر القارات كما حدث مع "شهادات التحكيم الدولي المزورة"...
غبت عن ساحة المنافسات الشطرنجية زهاء عشر سنوات. ولما عدت فوجئت باستفحال هذه الظاهرة الخطيرة. لقد أصبحت الجوائز المالية شيئا مألوفا في البطولات الوطنية والدوريات المفتوحة. وهو تطور مطلوب ومرغوب . غير أن المبالغ موضوع الجوائز تظل محدودة، وأحيانا هزيلة، لا تبرر ولا تفسر وحدها اللجوء إلى ممارسات البيع والشراء والاتفاقات المسبقة. أصبح هناك أشخاص معروفون باحترافهم الوساطة، سماسرة الرقعة كما أسميهم. وصار الكثيرون لا يتورعون عن القيام بالمساومات المفضوحة في واضحة النهار، في قاعة اللعب، على مرأى ومسمع من الحكام والمنظمين. لقد تجرأ أحدهم ذات مرة علي شخصيا، في إحدى الدوريات الدولية المنظمة في السنوات الأخيرة لا يهم المكان ولا الزمان ولا الشخص المعني وطلب مني "إعطاءه" المقابلة لأنه يريد الحصول على "إحدى الجوائز الخاصة" ورغم استنكاري لهذا السلوك فقد ألح في الطلب، وضايقني أثناء الدست، والتجأ إلى أشخاص آخرين لإقناعي.... ولما لم تنفع السبل التربوية في ثنيه، هددت بفضحه أمام الملأ، فارتدع، وعندما انهزم سلم علي وهو في غاية الحنق والغضب ! وأمثال هذه الحكايات والمواقف تعد بالعشرات. قد يقول قائل إن هذه المصيبة لا تقتصر على المغرب وحده. فلقد نشرت كتابات متفرقة تنتقد شيوع هذه الظاهرة خلال بعض الدوريات الفرنسية. لكن خطورة الحالة المغربية تتجلى في تحول بعض الحكام بدورهم إلى سماسرة يتوسطون بين اللاعبين أو بين الفرق المتنافسة. حاميها حراميها !
عندما تولى المرحوم مصطفى البقالي رئاسة الجامعة الملكية المغربية للشطرنج لمدة تزيد على إحدى عشرة سنة بدعم من ناديه" الهيئة المغربية للشطرنج".تخلى عن أي مهام داخل فريقه. وكان تعامله مع اللاعبين المغاربة والفرق الوطنية نزيها على العموم. ولم يحدث أن أعطى امتيازا لناديه الأصلي أو ضغط من أجله دعمه باللاعبين المرموقين أو بحث له عن الألقاب الواهية. تعتبر هيئة تطوان قيدوم النوادي المغربية، ولكنها لم تفز بأية بطولة وطنية للفرق، رغم أنها احتضنت الجامعة لمدة تفوق خمس عشرة سنة. مما يشكل معيارا إضافيا لنزاهة الطاقم الجامعي آنذاك. وبغض النظر عن فضيحة التحكيم المدوية، صرنا نسمع كشيء طبيعي أن يتولى رئيس الجامعة تسيير ناد في نفس الوقت؛ الأمر الذي أدى إلى استخدام نفوذه من أجل استقدام لاعبين والضغط عليهم ومعاقبة من يجرؤ على رفض مطالبه، كما حدث مع اللاعب الدولي علي الصبار. وبات هاجسه المؤرق تحصيل ألقاب وطنية لفريقه بشتى الوسائل، لحاجة في نفس يعقوب. وما يتردد على كل الألسن بشأن ما حدث كأس العرش الأخير، وقبلها شهادة اللاعب الرجاوي المهدي واخير، لمؤشر على سقوط أخلاقي فظيع.
وبصرف النظر عن الجانب الأخلاقي للظاهرة، فإن شيوع هذه الممارسات يهدد بإفراغ المنافسات الشطرنجية من معناها، وانتفاء روح المنافسة الشريفة؛ ويؤدي إلى تشويه سمعة الشطرنج لدى الرأي العام ووسائل الإعلام، حيث يحظى بصورة إيجابية، كرياضة ذهنية راقية. مما يشكل رأسمال ثمين من الجرم تبذيره وتشتيته. كما سيدفع المحتضنين والمستشهرين المحتملين ـ لا محالة ـ إلى الإحجام عن دعم الجامعة وتمويل الأنشطة الشطرنجية. لكن الخطورة الكبرى تتجلى في الجانب التربوي. ذاك أن استفحال الظاهرة يهدد بتشويه المفاهيم التربوية التي يحرص الآباء ورجال التعليم على تلقينها لأبنائهم. لقد شدهت شخصيا وأصابتني حالة اكتئاب شديد عندما لمست، خلال البطولات الوطنية للفئات، كيف أن أطفالا في عمر الزهور يتحدثون بكل براءة عن " إعطاء المباراة" بل إن منهم من لا يجد غضاضة في اقتسام جائزته المالية الضئيلة، مقابل نقطة غير مستحقة.
لقد قصدت في هذه الحلقة الجديدة من "الإبرة والهشيم" أن أتطرق لظاهرة خطيرة مسكوت عنها. والحل يبدأ من اتخاذ موقف أخلاقي صارم تجاه كل الأشكال التي تكتسيها؛ ووضع قوانين حازمة و... تطبيقها. وسد الثغرات المتعلقة بنظام الدوريات، ولاسيما فيما يتعلق بكسر التعادل واقتسام الجوائز وغيرها. والموضوع مفتوح بطبيعة الحال للنقاش.
محمد مبارك ريان

